مصطفى لبيب عبد الغني

172

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

بتحليل الأسس المنطقية لضروب المعرفة وكانت محاولته لدمج المنطق في الثقافة الإسلامية محاولة رائدة . والرازي حريص على إبراز الطابع الإنسانى للعلم إذ يعتبر فكرة التقدم حجر الزاوية في النظرة العلمية المتحررة ، كما يرى للعلم مهمة مقدسة تتعدى مجرد الوصف والتفسير إلى خلاص النفس وتحريرها من رق الأشياء والسير بها على درب الكمال المطلق . وفي تناولنا لفكرة المنهج عند الرازي تكشّفت لنا العلاقة الجدلية بين الفكرة والواقعة وبين النظرية وتطبيقها العملي وتآزر عنصرى القياس العقلي والتجريب مع التنبه إلى أهمية الأفكار الجيدة أو « الحدوس » في ضمان سلامة التطبيق للمناهج المستخدمة . والرازي ينطلق في منهجه من التسليم ابتداء بالمعقولية جذرا للوجود ؛ فالعقل قادر على المعرفة بإطلاق وعلى الإحاطة بوجود مجعول للحقيقة أصلا . وهو في نظرته هذه يتجاوز المثالية المتطرفة والواقعية الساذجة على السواء . والكون محكوم عنده بسنن ثابتة لا تبديل لها وحوادثه تجرى على وتيرة واحدة لا سبيل لنا إلا الإيمان بثباتها دونما سند من يقين عقلي أو تجريبى ، وبما يجعل طابع المعرفة في النهاية احتماليا يقوم على الرجحان وديناميا لا يتطابق مع أي صور جامدة . وأدرك الرازي خصائص التجريد والتعميم في المعرفة العلمية وكانت المعارف الواقعية نماذج وأمثلة وليست لها قيمة في ذاتها إلا من حيث هي كذلك . ولقد استوقفنا في منهج الرازي وعيه بالقيمة الفائقة للغة العلم الاصطلاحية ، وعلى نحو يتحقق معه اتفاق المشتغلين بالعلم الواحد ، ودأبه على تنقيه المفردات العلمية من الدلالات المجازية والسحرية ومن مختلف ضروب الزخرفة اللفظية المعوّقة وما ذهب اليه من اعتبار مفردات اللغة عموما مجرد مواضعات يحكمها الاتفاق المحض وعادة الاستخدام لها .